الثلاثاء, كانون2/يناير 17, 2017

الإفراط في تناول السوائل والخضار والفاكهة يخفض معدل معاودة سرطان المثانة السطحي

سأبدأ مقالتي هذه بشرح خصائص سرطان المثانة وكيفية معالجته ومتابعته والوسائل الحديثة المتبعة بالنسبة الى الوقاية من معاودته ليتسنى للمرضى وأهلهم وقرائنا الأعزاء وزملائنا من استيعاب أحدث المستجدات حوله كما أوردتها في محاضرة ألقيتها منذ بضعة أسابيع لمجموعة من نخبة أخصائيي جراحة المسالك البولية في الرياض.

يعتبر سرطان المثانة الأكثر شيوعاً بين جميع أورام الجهاز البولي عالمياً إذ يصيب حوالي 63.000مريض في الولايات المتحدة و 120.000مريض في أوروبا سنوياً مع المعدل الإجمالي بالإصابة به حوالي 180.000الى 300.000شخص في الولايات المتحدة و 360.000الى 60.000في أوروبا والملايين من الأشخاص في جمهورية مصر العربية وبنسبة عالية في العديد من الدول منها المملكة العربية السعودية هو يقضي على حوالي 120.000مريض في جميع أنحاء العالم سنوياً. ان أسبابه الرئيسية تشمل التدخين الذي قد يشكل نسبة حوالي 50% من جميع الحالات باستثناء جمهورية مصر العربية حيث له علاقة بالتهابات المثانة المزمنة بالجراثيم والبلهارسيا التي قد تكون احدى مسبباته، والمعالجة الكيماوية خصوصاً بعقار سيكلوفوسفامايد Cyclophosphamide والمداواة بالأشعة على الحوض والعوامل الجينية وحصيات المثانة والمبيدات وبعض المواد الكيماوية التي تستعمل في بعض المصانع والتعرض الى الأبخرة الكيماوية كصبغة الشعر والمياه المحتوية على كمية عالية من الكلور والزرنيخ وربما تقليل تناول الفاكهة والخضار مع الغذاء خصوصاً عند المدخنين كما أن نسبة الإصابة بهذا الورم مرتفعة عند رجال الإطفاء.

تشخيص المرض

ويتم تشخيص المرض حسب الأعراض السريرية وخصوصاً البيلة الدموية الظاهرية أو المكتشفة في تحليل البول او الأعراض الإلحاحية البولية في غياب أي التهاب بولي او عند تصوير الجهاز البولي الوريدي او بالأشعة فوق الصوتية او المقطعية. ولإثبات التشخيص يتم القيام بتنظير المثانة مع اخذ خزعة من الورم او الأورام والعضلات تحتها ويتم استئصالها كاملاً بمنظار القطع وتخثير قاعدتها وفحص المثانة يدوياً تحت التخدير العام او النصفي. وفي بعض الحالات يتم اجراء فحص خلويات البول نسيجياً Cytoloyg لكشف وجود خلايا سرطانية فيه. واعتماداً على الفحص النسيجي على الخزعات المستأصلة من المثانة يتم اثبات تشخيص الورم ونوعه وفئته وطوره وامتداده عبر اظهارة المثانة وعضلاتها او تواجده فقط على سطحها. وبعد اجراء جميع تلك التحاليل والفحوصات تجري اشعة مقطعية او رنين مغناطيسي على الكلى والحوض في حال امتداد الورم عبر عضلات المثانة لتشخيص احتمال انتقاله الى الغدد اللمفاوية او تواجده في حويضة الكلية او الحالب. وكما ناقشت بالتفصيل سابقاً في قسم العيادة في جريدة الرياض الغراء فان حوالي 70% الى 80% من تلك الأورام تكون سطحية أي مركزة على ظهارة المثانة مع خبث خفيف Ta Grade 1-2 (G1-2) حسب التصنيف المتبع عالمياً بينما حوالي 30% من تلك الأورام السطحية قد تمتد تحت الظهارة T1 او على سطحها مع درجة عالية من الخبث CIS واما باقي الأورام فقد تكون متقدمة في حوالي 30% من تلك الحالات مع امتدادها الى عضلات المثانة T2 او عبر جدارها محلياً T3 او متنقلة الى الغدد اللمفاوية او أعضاء أخرى في الجسم T4. وسنحصر مقالتنا هذه بالأورام السطحية ذات الخبث المنخفض Ta G1-2 التي تكوّن معظمها والتي قد تكون وحيدة أو متعددة داخل المثانة مع تفاوت في حجمها.

فبعد استئصالها بمنظار القطع تحت تخدير كامل او نصفي، يتم زرق مادة كيماوية مثل الميتوميسين Mitomycin او ابيرونيسين Epirubicin او ثيوتيبا Thio-Tepa في المثانة في غضون ساعة الى 6ساعات بعد الاستئصال ولمدة ساعة مع إغلاق القسطرة الموضوعة في المثانة خلال تلك الفترة مما قد يخفض نسبة معاودة السرطان بنسبة حوالي 40%. ويحظر من القيام بزرق تلك المواد الكيماوية اذا ما حصل تثقب في المثانة أثناء استئصال الورم او في حال وجود بيلة دموية هامة او اذا ما شمل الاستئصال اوراما متعددة لمنع حدوث مضاعفات خطيرة ابرزها التهاب الصفاق او تليّف شديد حول المثانة. والجدير بالذكر ان حوالي 70% من تلك الأورام تتعاود بعد استئصالها الكامل خصوصاً اذا لم تستعمل المعالجة الكيماوية داخل المثانة المذكورة آنفاً مما يستدعي عادة كما كان الحال في الماضي القيام بتنظير المثانة دورياً كل 3أشهر في أول سنة أو سنتين حسب نكس الورم وكل 6أشهر لمدة سنتين ومن ثم كل سنة اذا لم تتعاود تلك الأورام. واما في الوقت الحاضر اذا ما أظهر الفحص النسيجي وسرطاناً سطحياً ذات خبث خفيف TAG1-2 وان كان وحيداً أو قليل العدد (أقل من 5أورام) وبحجم لا يتجاوز 3سم فبعد استئصاله تنظيرياً القيام المعالجة الكيماوية خلال ساعة الى 6ساعات من اجراء العملية يعاد التنظير في العيادة تحت تخدير موضعي بعد 3أشهر. فاذا كان سلبيا يتم اعادته بعد 9الى 12شهراً بدون أي خطر على المريض خصوصاً أن تلك الأورام رغم نسبتها العالية في المعاودة بعد الاستئصال تعتبر عادة غير خطيرة لاسيما ان في حوالي 20% منها قد تزيد درجة خبثها وقد يحصل تقدمها او امتدادها عبر عضلات المثانة بنسبة حوالي 5% فقط على المدى الطويل. واما اذا ما أظهر التنظير اوراماً متعددة او ورماً متوحداً ذات الحجم الكبير أي أكثر من 3سم فيتم استئصالها جميعاً أو تخثيرها وزرق احدى المواد الكيماوية المذكورة سابقاً لمدة ساعة مباشرة بعد الاستئصال ومعاودة المعالجة الكيماوية في المثانة باحدى تلك المواد اسبوعياً لفترة ساعة لكل جلسة وذلك لمدة 6اسابيع يليها تنظير المثانة مجدداً في العيادة تحت تخدير موضعي بعد حوالي 3أشهر والقيام باستئصال او تخثير أي ورم متعاود واستعمال المعالجة المناعية في حال معاودته بعصيات السل BCG في المثانة اسبوعياً لمدة 6أسابيع ساعة واحدة لكل جلسة وتكرار التنظير كل 3أشهر من بعدها لمدة سنة أو سنتين.

مزعج للغاية

ورغم ان تنظير المثانة يعتبر الفحص الاساسي والأدق لتشخيص تلك الأورام الا انه مزعج للغاية لمعظم المرضى ومؤلم اذا ما تم تحت تخدير موضعي خصوصاً عند الرجال. وقد يسبب احياناً مضاعفات أبرزها البيلة الدموية الحادة وتضيق الاحليل او تمزيقه والالتهابات البولية والناسور البولي وكلفته العالية فضلاً عن أن معظم المرضى لا يحبذونه ويتمنون استبداله بتحليل بولي خاص يساعد على تشخيص الورم خصوصاً اذا ما كانت دقة هذا التحليل في تشخيص الورم تتجاوز 90%. فلتلك الأسباب قامت عدة شركات طبية عالمية بانتاج تحاليل بولية خاصة تساعد على كشف تلك الأورام واستبدال التنظير بها اذا ما أمكن. ومن أبرز تلك التحاليل كما ذكرنا سابقاً فحص الخلويات البولية نسيجياً Cytology الا انها تفتقر الى النوعية لتشخيص السرطان بنسبة حوالي 10% الى 40% اذ انها قد تكون إيجابية خطأ في حال وجود التهاب بولي او حصيات في المثانة او بعد المعالجة الكيماوية او المناعية. ومن أبرز تلك التحاليل NMP22 الذي يحدد معدل البروتين المطرق داخل نواة الخلايا السرطانية المفروزة في البول والذي يمكن القيام به في العيادة او البيت بطريقة سهلة على بضع قطرات من البول مع الحصول على النتيجة بعد حوالي 30دقيقة تقريباً. وقد تبين أنه في حال كان هذا التحليل إيجابيا فان معدل معاودة السرطان يكون مرتفعاً على المدى الطويل. ولكن رغم سهولة الاستعمال إلا أن دقته في تشخيص السرطان ذي الخبث القليل في حال وجوده لا تتعدى حوالي 64% كما ان دقته في اثبات وجود هذا الورم اذا ما كان التحليل إيجابياً لا تتعدى حوالي 71%. ويمكن زيادة معدل دقة التشخيص الى حوالي 80% اذا ما استعمل مع تحليل الخلويات البولية Cytology. والجدير بالذكر انه عندما خيّر 200مريض مصابين بهذا الورم بين التنظير الدوري او استعمال هذا التحليل في دراسة اجريت في مركز "صلون كيتيرينغ للسرطان" في نيويورك كان عدد المرضى الذين وافقوا على استبدال التنظير به لم تفق 25% فقط اذا ما كانت دقته في تشخيص السرطان الموجود في المثانة أقل من نسبة 95% خوفاً من تفويت تشخيص السرطان واحتمال تقدمه. ومن التحاليل البولية الأخرى استعمال فحص البول بواسطة التهجين بالتألق الموضعي FISH الذي يرتكز على تحديد الشذوذ المتواجدة في كروموزومات 3، 7، 17والموضع الجيني ب ا ت في البول. وقد نجح هذا التحليل الذي يدعى uroVysion في تشخيص الأورام ذات الخبث الخفيف او المتوسط او العالي بنسبة 21% و37% و67% على التوالي مع تأكيد وجود السرطان ذي الخبث الخفيف بمعدل حوالي 90% اذا ما كان التحليل ايجابياً. وقد اعطى هذا التحليل أفضل النتائج اذا ما استعمل مع فحص الخلويات البولية Cytology. ومن التحاليل الأخرى المستعمل حالياً BTA stat. BTA و BTA TRAK التي تحدد معدل المستضد الخاص بالخلايا السرطانية في البول والتي قد تساعد على تشخيص تلك الأورام بنسبة 40% الى 71% والى تأكيد وجودها في حال ايجابيتها بمعدل 62% الى حوالي 90%.

فحوصات اخرى

وعلاوة على تلك التحاليل هنالك فحوصات اخرى تشمل تحديد معدل الجين المثبط P53 والبروتين التابع لتدرك الفبرينوجين FDP ومادة التيلوميريز Tolemerase ومادة Mcm5 التي تلعب دوراً هاماً في عملية تنسخ الكروموزومات في البول والتي تتمتع بالحساسية لتشخيص السرطان بنسبة 74% الى 87% وتؤكد وجوده في حال ايجابيتها بمعدل حوالي 77% الى 90% ويمكن اعتبار هذا التشخيص كالأدق في تشخيص تلك الأورام. ولكن الجدير بالذكر أن تلك التحاليل معقدة ولا يمكن القيام بها الا في مختبرات متخصصة مع تكاليف مرتفعة. ويمكن القول ان تلك التحاليل البولية على وسمة السرطان في البول قد تحل محل تنظير المثانة الدوري خصوصاً اذا ما استعملت كل شهر او كل 3أشهر مع فحص الخلويات البولية Cytology في حالات تواجد سرطان سطحي ذي الخبث الخفيف بعد استئصاله او تخثيره وفي حال عدم معاودته بعد 3أشهر من الاستئصال مما قد يساعد على تأخير التنظير لمدة سنة بدلا من قيامه كل 3أشهر كما هو الحال في معظم الحالات حالياً. ولكن علينا التشدد ان تنظير المثانة لا يزال يعتبر الفحص المثالي لتشخيص تلك الأورام وانه لا يمكن في الوقت الحاضر استبداله بتلك التحاليل البولية الا في حالات نادرة كما ذكرنا سابقاً مع متابعة دورية لتلك الحالات.


الوسائل الوقائية

اما بالنسبة الى تطبيق بعض الوسائل الوقائية لمنع معاودة تلك الأورام فان ابرزها الإقلاع عن التدخين والافراط في شرب السوائل وتناول الخضار والفاكهة واستعمال الجرعات العالية من فيتامينات أ Aو جC و ه E و6ب B6 والزنك والوفلات خصوصاً من قبل المدخنين رغم عدم اثبات فعاليتها الا في بعض الدراسات القليلة وتناول كميات عالية من اللبن يومياً المحتوي على الملبنة CASEI الذي لا يساعد على ازالة سمية المسرطنات البولية فحسب بل ينشط الجهاز المناعي. وتلك الوسائل قد تخفض معدل معاودة الأورام بنسبة حوالي 50% خصوصاً لدى المدخنين.

غير خطير

خلاصة الأمر ان سرطان المثانة السطحي ذا الخبث المنخفض يشكل حوالي 70% الى 80% من جميع حالات أورام المثانة الخبيثة ويعتبر عموماً غير خطير رغم معاودته بنسبة حوالي 70% اذ انه يتميز بزيادة معتدلة لدرجة خبثه بنسبة حوالي 20% وتقدمه عبر عضلات المثانة بمعدل 5% فقط على المدى الطويل. ان اهم فحص لتشخيصه وتحديد درجة خبثه وطوره لا يزال تنظير المثانة، إلا أن التحاليل البولية الحديثة على الوسمة مع الفحص النسيجي للخلويات البولية Cytology رغم افتقارها الى الدقة والحساسية والنوعية الكاملة الا انها قد تساعد على تشخيص العديد من تلك الحالات اذا ما استعملت دورياً كل شهر الى 3أشهر مما قد يساعد على تأجيل القيام بالتنظير لمدة حوالي سنة خصوصا اذا ما كان التنظير الثاني بعد 3أشهر من التشخيص الأولي سلبياً مما يخفف من عذاب وانزعاج المريض من تكرار تنظير المثانة الدوري. ان زرق مادة كيماوية في المثانة مباشرة او في غضون 6ساعات بعد التنظير يخفض نسبة معاودة الورم بحوالي 40%، كما ان الامتناع عن التدخين والافراط في تناول السوائل والخضار والفاكهة واللبن او تناول جرعات عالية من بعض الفيتامينات قد تساعد على تخفيض معدل معاودة تلك الأورام بنسبة حوالي 50%، والجدير بالذكر أن تلك الأورام بالرغم من قلة خطورتها عموماً إلا أنها قد تصبح في بعض الحالات أكثر خبثاً وتمدداً، وقد تهدد حياة المريض مما يشدد أهمية متابعتها دورياً مدى الحياة بالتحاليل البولية والتنظير السنوي واستئصالها او تخثيرها ومعالجتها كيماوياً او مناعياً اذا ما تعاودت او زاد خبثها او حجمها او عددها بعد الاستئصال الأولي وذلك تحت اشراف اخصائي في جراحة المسالك البولية والتناسلية يتمتع بالخبرة الواسعة والبراعة في تشخيصها ومعالجتها بأحدث الوسائل المعترف بها.
 

المصدر: